محمد هادي معرفة

347

التمهيد في علوم القرآن

قال اليعقوبي : وكتب في جمع المصاحف من الآفاق حتى جمعت ، ثم سلقها بالماء الحار والخلّ . وقيل : أحرقها . فلم يبق مصحف إلّا فعل به ذلك ، خلا مصحف ابن مسعود ، فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبد اللّه بن عامر . فكتب إليه عثمان أن اشخصه . فدخل ابن مسعود المسجد وعثمان يخطب ، فقال عثمان : إنّه قد قدمت عليكم دابّة سوء . فكلّم ابن مسعود بكلام غليظ . فأمر به عثمان فجرّ برجله حتى كسر له ضلعان : فتكلّمت عائشة وقالت قولا كثيرا « 1 » . * * * وفي المرحلة الثانية ، كان عثمان في بدء الأمر زعمها هينة ، ومن ثم اختار لها جماعة غير أكفاء ، ثم لجأ أخيرا إلى جماعة آخرين وفيهم الأكفاء مثل سيّد القرّاء « 2 » الصحابي الكبير أبي بن كعب . كما وأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت حفصة ، وهي الصحف التي جمع فيها القرآن أيام أبي بكر . فطلبها لتكون سندا وثيقا للمقابلة عليها والاستنساخ منها . فأبت حفصة لأوّل أمرها أن تدفعها إليه ، ولعلّها خافت أن تأخذ مصيرها إلى الحرق والتمزيق كسائر المصاحف ! حتى عاهدها عثمان ليردّنها فبعثت بها إليه « 3 » . وهكذا وجّه نداء عامّا إلى كافة المسلمين : عزمت على من عنده شيء من القرآن سمعه من رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) لما أتاني به « 4 » . فجعل الرجل يأتيه باللوح والكتف والعسيب فيه القرآن . وربّما كانوا ينتظرون أناسا كانوا أحدثهم بالعرضة الأخيرة ، حتى يأتوهم بالقرآن . قال ابن سيرين : كانوا إذا تدارءوا في شيء - أي اختلفوا في آية - أخّروه قال بعضهم : ولعلّهم كانوا يؤخّرونه لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة .

--> ( 1 ) تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 159 - 160 . ( 2 ) تهذيب التهذيب : ج 1 ص 187 . والطبقات : ج 3 ص 62 . ( 3 ) المصاحف للسجستاني : ص 9 . وصحيح البخاري : ج 6 ص 226 . ( 4 ) المصاحف للسجستاني : ص 24 .